ذاكرة السنين حلم المشردين

بقلم - حسن الكحلوت:

تعود الذكرى السنوية التي تحمل بين طياتها ألم سنوات مضت علينا وعلى أجدادنا الذين أصبحوا كهولاً في بقعة من أرضهم السليب، أو حتى في الشتات، إنها نكبة فلسطين عام ثمانية وأربعين والتي تتجدد ذكراها في الخامس عشر من أيار من كل عام  على شعب فلسطيني مُشرد من قراه وأراضيه التي اغتصبتها عصابات لا تعرف الإنسانية تمردوا على العالم وتفننوا بتعذيب شعب  وهجّروا أهله تحت وقع القذائف والقنابل لم تمر ذكرى تشريد هذا الشعب إلا وتكون بين الأيام التي تليها ذكرى مريرة لكنها لم تكن أشد مرارة من هذه الذكرى والتي ضاع فيها شعب بأكمله في كافة أرجاء المعمورة ؛ فمنهم من خرج بجسده وأولاده وترك متاعه،ومنهم من أخد معه أوراقه التي تثبت حقه بالأرض ومفتاحه الحديدي الذي ما زال متشبثاً به ومازال حلمه بالعودة مستمر،ومنهم من لجأ إلى قرى مجاورة ريثما تهدأ الأوضاع ويعودوا إلى قراهم،لكن لم تأتى الرياح بما اشتهت به الأنفس . فمنذ ذاك الوقت والشعب الفلسطيني مشتت في دولٍ عربيةٍ وأجنبيةٍ ومنهم من هو مشتت داخل وطنٍ مقسم  في قطاع غزة والضفة المحتلة يترقبون لم شملهم مع أقاربهم في أراضيهم،ومنهم لم يستطيع أن يخرج فتم القضاء عليه في مكانه.
 فقطاع غزة الذي يعيش فيه أكثر من مليوني شخص معظمهم ممن هجروا من بيوتهم فعاشوا النكبات والحروب  الكثيرة،ومنها الحصار المفروض على القطاع بأكلمة وحرب الفرقان والحرب الثانية (حجارة السجيل) والحرب الأخير ( العصف المأكول ) المدمرة التي نالت من كل شيء على الأرض بصواريخ مجرمة أخذت الأخضر واليابس  ناهيك عن الأوضاع التي يعيشونها كل يوم فمنذ أن فرضت عليهم الهجرة من أراضيهم وهم يعيشون في نكبات تتلوها نكبات أشد من سابقاتها إلا أن النكبة الأولى هي الأقوى في حياتهم والتي لا تمحي من ذاكرة الكبار ليسردوا قصصهم للصغار حتى يزرعون حب الأرض في قلوبهم .
فيما يعيش معظم أبناء الشعب الفلسطيني في مخيمات سوريا والذين يعانون مرارة ما يحدث هناك وكذلك مشردين في الأردن ولبنان  وغيرها من الدول العربية ، ففي لبنان أوضاعهم المعيشية صعبة للغاية ، هذا الشعب الذي ضَحى بأغلى ما يملك من أجل تحرير أرضه والعودة إلى مدنه التي أحُتلت من قبل القوات الصهيونية والذين يستولون على أكثر من ثلثي فلسطين ويبنون عليها المغتصبات حتى يعيشون وينعمون في أرضنا المباركة. نكبة فلسطين السابعة والستون يعيشها أكثر من 5.3 مليون فلسطيني أو ما يزيد سجلوا لدى وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين أي ما يشكلون نسبته 45.7 % من مجمل الفلسطينيين المشردين في جميع أنحاء العالم،جلهم ينتظرون العودة إلى مدنهم  الذين ما تناسوا لحظة أن لهم قرى مغتصبة والتي  تجول في ذاكرتهم فمنهم من أنتهي عمره يحلم بالعودة إلي أرضه التي ولد وتربى فيها لكنه زرع في قلب أبنائه حب الوطن والتمسك بالثوابت والمطالبة بالعودة حتى أخر يوم في حياته ، ومنهم من هو على قيد الحياة  كالحاج (محمود عيد الذي تعود جذوره إلى قرية زرنوقه المحتلة  وتذكر حنينه إلى وطنه وأنه قد زارها بعد اغتصابها بضع ساعات من الزمن وتمنى أن يزول العدوان عنها ويعود إليها  ثم يموت على أرضها، وكذلك الحاجة " أم شريف الكحلوت " مواليد قرية نعليا عادت بذاكرتها إلي ما قبل 67 عاماً " سردت لنا أم شريف الكحلوت تسرد تاريخ قريتها الأصلية ( نعليا )

بعد مرور سنوات طويلة على ذكرى النكبة الفلسطينية بتهجير السكان لقطاع غزة، استذكرت المسنة أم شريف الكحلوت "80 عاما"، لحظات حياتها الجميلة في كنف أسرتها في قرية نعليا، إحدى القرى التي هاجر منها سكانها إلى قطاع غزة.

وعاشت أم شريف برفقة أشقائها سلمان والعبد واحمد وسليم وتوفى اثنين منهم، وشقيقاتها مريم وصفية ورابعة ورفقة وآمنة وثريا، وتبقى اثنتين منهم على قيد الحياة .

ولدت أم شريف عام 1935 في قرية نعليا وعاشت حياتها برفقة والدها محمد سلمان الكحلوت الذي عمل في التجارة والزراعة، ولم تذهب إلى مدارس للتعليم كباقي بنات القرية لعدم وجود مدارس في ذلك الوقت ولا سيارات .

وعاشت في بيت كالقصر بناه والدها على تلة  عالية يحيط بها الأشجار والأراضي المزروعة بكل أنواع الخضار والفواكه، وكانت تشاهد الحياة في قرية الجية المجاورة لهم لعلو منزلهم، واختار والدها أبواب وشبابيك المنزل من قطاع غزة من افخر الأنواع.

  • وقالت عن حياتها في منزلها وقريتها نعليا " كان والدي يزرع 80 دونماً بالشعير والقمح والذرة بأرضه التي سميت أرض صبحي ، وزرع 80 دونماً في  أرض النبي أيضاً كنت أقوم بحراستها طوال النهار، وأرض شحدة في نفس بلدتنا مزروعة بالباذنجان، ويقوم والدي بتسويق الخضار على شاحنته الخاصة، ويبيعها في المجدل، كنت أرافقه إليها لأنه الوحيد الذي يمتلك شاحنة".

ومن وجهاء قرية نعليا كان شحادة الكحلوت ووالدها وحمادة سمور، ويجتمعون على أمرهم في منزلهم للمشاورة فيما بينهم .

وفى بداية النكبة سرت أخبار بين سكان القرية عن قدوم اليهود إلى القرية ووصولهم لقرية الجورة بعد خروجهم من البحر إليها، وهب السكان حاملين العصا للدفاع عن أرضهم باتجاه البحر لملاقاة اليهود، إلا أنهم لم يجدوا أحداً هناك وعادوا إلى بلداتهم .

ولكن بعد سماع المواطنين عن مذابح إسرائيل في دير ياسين وذبح الأطفال والنساء، وورود أنباء عن بدء اجتياح إسرائيل لبلداتهم من المنطقة الشمالية وقيامهم بمذابح هناك، هرب المواطنين دون أن يروا اليهود من بلداتهم باتجاه قطاع غزة، بعدما أغلقوا منازلهم كما هي على أمل العودة إليها في اليوم الثاني بعد هدوء المعركة .

ولكن بعد طول فترة المعركة وتنفيذ مخطط إسرائيل بالاستيلاء على بلداتهم استقروا في قطاع غزة، تاركين خلفهم متاع حياتهم الحقيقي وأموالهم وحصادهم الزراعي وملابسهم في منازلهم، ليبكوا على أطلال حياتهم الجميلة في بلداتهم الأصلية.

واستذكرت أم شريف هذه اللحظات جيدا وقالت" جاء والدي إلينا بعدما قمنا بدفن محاصيل القمح والشعير والذرة في الأرض بكميات كبيرة وهائلة على أمل العودة في اليوم الثاني لبيعه، وطلب منا الصعود إلى سيارته الكبيرة، ولم نحمل أي من أغراضنا الشخصية أو حتى الملابس، ونزلنا في منطقة المحطة شرق مخيم جباليا  الشارع العام، واستقرينا مبدئيا في ارض أبو سعدي بالقرب من جامع المحطة، وكنا داخل السيارة ما يقارب 20 أسرة من أفراد أسرتنا والعائلة وعائلة المقيد، ومهاجرين من قرية سمسم وبيت دراس، واستلمنا فيما بعد خيام واسعة لكل أسرة وأكياس طحين، ونزلت علينا الثلوج بعد الهجرة مباشرة".

وبدأت الاونروا باعتماد المساعدات الدائمة للاجئين منذ ذلك الوقت حتى الآن، كالسكر والطحين والرز والفول والسيرج، وتوزيع المساعدات على حسب عدد أفراد الأسرة، بالإضافة لملابس، وبعد سنوات قليلة من استقرارهم بدأت الاونروا ببناء منازلهم لهم من الاسمنت وبناء مدارس في كل منطقة.

وتابعت لدنيا الوطن" عمل والدي بغزة في التجارة وبيع القماش الخاص بالخيام في سوق فراس برفقة عمى ومساعدة شقيقي، وبدأت أتعلم نسج الملابس داخل المنزل، وكنت أنتج أسبوعيا بلوزة رجالية فاخرة تستلمها منى سيدة تتعاقد مع المحلات التجارية وتبيعها لهم".

وانتقلت أم شريف برفقة أسرتها للعيس غرب منطقة وادي غزة لوجود أشجار كثيرة هناك، يستخدمونها لإشعال النيران لطهي الطعام، ثم انتقلت من جديد في ارض تعود لعائلة عجوز وسط مدينة غزة(الساحة)،

وتزوجت أم شريف حين كان عمرها16 عاما، حيث أقيم عرسها في خيام ودفع أهل زوجها 5  ليرات من اجل مشاهدتها، إلا أنها رفضت من شدة الخجل، وكان بإمكانها شراء ارض تقدر بنصف دونماً بهذا المبلغ المقدم لها.

وبعد الموافقة من الطرفين تم الزواج بعد لبسها الفستان  الأبيض ، مغطى  بعباءة كبيرة تسترها، وانتقلت لبيت زوجها في شاحن كبير جلست خلاله على كرسي وحيد متواجد فيه، بمرافقة إخوانها وأخواتها، ورقصت نساء العائلة في الفرح بعد غنائهم والطبل على (جديدة)، ولم يشاهدها زوجها إلا يوم الفرح.

وتضم قرية نعليا عدة عائلات في قطاع غزة من ضمنها الكحلوت والمقيد وسمور وأبو وطفة وشاهين وريان وحسن وحسين وفريج.

وأطلق على نعليا سابقا قرية الخضيرة لجمالها بالأرض المحيطة بها المزروعة بكل أنواع الخضار والفواكه،مثل الزيتون والموز والتفاح والليمون والزيتون والخوخ والإنجاص والبرتقال والعنب والكرفوت والفرنساوى والكلمنتينا والصبر والتين والجميز، ويحدها قرية المجدل والجية والجورة والخصاص.

هذا هو حلم  الشعب الفلسطيني المغترب عن أرضه لا يحلم بشيء إلا أن يرجع إلى بلده الحبيب .فاليوم الشعب يجدد تمسكه بثوابته التي تربى عليها وحارب من أجلها ووقف في وجه كل من أراد أن يمنعه من العودة إلى وطنه ليقول اليوم "فلسطين أرضي"  ونحن على أمل بأن تحرير الأراضي المحتلة على مرمى حجر ،وسنحتفل يوما بعودتنا إلى قرانا وسنترك كل ما نحن فيه من أجل أن نبقى على هذه الأرض التي باركها الله
فمن ضحى من أجلها ومات شهيداً سيخلده التاريخ ،ومن جرح من أجلها مدافعاً عنها له شرف الدفاع عن أرضه الغالية،ومن سجن خلف القضبان  سيأتي اليوم الذي يشتم فيه رائحة وطنه الغالي المعبق بدماء رجال صدقوا الله  وسينعم بالحرية  التي لن تغيب  وستشرق شمسها  التي تنشر أشعتها في كل مكان من وطننا الغالي، فنحن اليوم على ثقة بالله تعالى في أن تحرير فلسطين والعودة إلى أرضنا المباركة أقرب بكثير من الأيام التي مضت والأوضاع التي تجري في الأقصى الآن هي أكبر دليل على أن التحرير أقرب. وكذلك ما يعُد له الجنود المجهولين
تحية إليكم أبناء شعبنا الصامد في كل بقعة من العالم، تحية إليكم يا من تتجرعون المر كل يوم ، تحية إلى أرواح الشهداء الكرماء، تحية إلى الجرحى الأبطال، كل التحية إلى الأسرى في السجون، تحية إلى كل  من نطق بكلمة حق من أجل القضية الفلسطينية ويحارب من أجلها . التحية إلى أقصانا المبارك الذي تحمل ويتحمل وسيتحمل المزيد والمزيد،وأتمنى ممن تخاذلوا في الدفاع عن فلسطين أن يعودوا لعقولهم وليقفوا في صف واحد تحت كلمة واحدة وهى تحرير الوطن العربي من أي تدخل خارجي، تحية إليكم شعبنا في كل مكان .أسأل  الله في العام القادم أن نكون في بلادنا التي اغتُصبت ونتحدث عن تحريرها.

تم ارسال التعليق

  • الفجر3:43
  • الظهر11:45
  • العصر3:23
  • المغرب6:21
  • العشاء7:47
  • دولار أمريكي 0 شيكل
  • دينار أردني 0 شيكل
  • جنيه مصري 0 شيكل
  • يورو 0 شيكل
  • جنيه إسترليني 0 شيكل
القائمة البريدية