فتح والهروب من الميزان

بقلم: - م. معين نعيم

لم يشكل هروب فتح من التحدي الانتخابي صدمة عند كثير من المتابعين فقد بدى واضحاً أن فتح وقعت في مأزق منذ اللحظة الأولى التي وافقت فيها حماس على الانتخابات ووعدت بالسعي لإنجاحها في أي مكان تستطيع فيه ذلك وقد كانت ردات فعل الناطقين الإعلاميين وبعض القيادات البارزة في فتح تنم عن المفاجئة وعدم الرضى من قرار حماس هذا حتى أن بعضهم اتهمها بعدم الوطنية لأنها لا تريد أن تنسحب وتترك فتح وحدها في الانتخابات لتفوز بشكل ديمقراطي كامل! والبعض الآخر اتهمها بالتعاون مع الاحتلال لإفشال مشروع فتح الوطني والتحرري بدخول المعترك الانتخابي.

ويبدو أنهم قد تفاجئوا بالفعل بالقرار وكان واضحاً أن الهدف من إطلاق زوبعة الانتخابات كان المرسوم له أن ترفضه حماس (حسب العقل المدبر لفتح) فتحتج فتح وعباس بعدم جرأة حماس على الوقوف على ميزان الشعب وأنها هي التي يتهرب من السماح للشعب بقول كلمته.

وكان الهدف من ذلك هو صناعة صورة لدى المواطن الفلسطيني أولا والعربي ثانيا بأن حماس والحركات الإسلامية أو ما يسمونه بالإسلام السياسي لا يؤمنون بالديمقراطية وأنهم لا يسمحون للناس بالتعبير عن آرائهم وأنهم يؤمنون بالانتخابات فقط لمرة واحدة رغم أن هذا الأمر لم يثبت عليه دليل واحد في أي بلد عربي بل هناك عشرات الأدلة على أن هذه الطغم العلمانية الحاكمة والتي تتغنى بالديمقراطية هي من ينسف الطريق الديمقراطي في بلادها فلا يبقى على الطريق أحد.

والهدف ليس فقط تشويه الخصم السياسي فقط بل ضرب مصداقية كل المفاهيم والرؤى التي يدعو إليها هذا التيار الفكري في فلسطين والعالم العربي وأخطرها تشويه مشروع التحرر المقاوم الذي تقوده حماس وتتحرك ضمنه عدد من القوى الفلسطينية المقاومة بل وهناك تيارات في فتح بدأت تطالب وتضغط باتجاه العودة لهذا الخط في فتح.

في الحقيقة يبدو أن دليل المستخدم الذي يوجه قيادات فتح هو نفس الدليل الذي استخدم في انتخابات 2006 البرلمانية في فلسطين حيث كان المرسوم عبر التقارير الأمنية والاستخبارية والتي كانت تصدرها المراكز والمؤسسات التي يسترزق عبرها القائد الفتحاوي المطرود محمد دحلان تقول أن أقصى حد يمكن أن تصله حماس هو 30% وفتح حوالي 60% والباقي للفصائل المنضوية تحت إطار منظمة التحرير وبهذا يصبح القانون والتشريع محكوم برؤية فتح ومفاهيم محمود عباس ودحلان اللذان لا يرون في الاحتلال الصهيوني سوى جار بيننا وبين بعض أبناءه خلاف عائلي بسيط يحتاج لصلحة عشائرية لينتهي وسيكون من السهل على فتح أن تضرب عبر القوانين والتشريعات كل مشروع المقاومة وكله بالقانون وحين تعترض حماس أو ترفض القرار كن سيوضع سيف البرلمان على عنقها وتتهم بأنها لا تقبل بقرار ممثلي الشعب.

ولكن أتت الرياح بما لا تشتهي سفن فتح عباس وكانت النتائج أفضل مما توقعته حماس نفسها من فوز ساحق لقوائمها في غالبية مناطق الضفة والقطاع والقدس وغضب بعدها الصهاينة والأمريكان عليهم وأمروهم بتعويض الخطأ فكان قرار الفلتان الأمني الذي أفضى لمحاولة انقلاب مسلحة على الحكومة وإلى اعتقال عشرات النواب والقيادات السياسية لحماس في الضفة لإضعاف موقفهم هناك لتسهيل مهمة عباس والتي انتهت بحسم الأمر بفرض سيطرة الحكومة الشرعية على قطاع غزة مدعومة بقوة حماس العسكرية.

لكن هذه المرة يبدو ان التقارير لم تكن كافية لإقناع المرجعيات الحقيقية لسلطة عباس في تل أبيب وواشنطن لتسمح له باللعب بالنار مرة أخرى فأمروه بإفشال المشروع الانتخابي قبل انطلاقه لأن التقارير الاستخباراتية التي انتشرت في الفترة الأخيرة كلها كانت تفيد بسقوط مدو لعباس وزمرته في الضفة وغزة أمام القوائم التي تدعمها حماس أو المستقلين والقوائم الأخرى فانتظرت فتح فرصة لتتراجع كما أمرت فهددت بشكل شبه علني قياداتها ومرشحيها في الضفة ونجحت في إقصاء بعض القوائم هناك ظنا منها أن هذا سيستفز حماس وتعلن انسحابها.

ولكن حين لم ينجح كل هذا كان القرار من محكمة العدل العليا التي أصبحت كما باقي الجهات القضائية العليا في فلسطين أحدى بيارات عباس التي يتعامل معها وكأنها مكاتب في مبنى الرئاسة لديه يأمر وينهي فيها كما يشاء والغريب أن الحجة كان عدم دخول القدس ضمن المناطق التي تجري فيها الانتخابات وعدم مشروعية المحاكم التي تتحاكم أمامها لجنة الانتخابات في قطاع غزة رغم أن القدس وغزة لم تشملها الانتخابات البلدية التي أجراها عباس عام 2012 ليطرد من تبقى من مخالفيه في البلديات وكذلك أن القوانين التي تحكم بها المحاكم في غزة هي القوانين التي أقرتها فتح منفردة بقرار رئاسي بما يخص قانون الانتخابات والذي طبق في الضفة على مجموعة من الاعتراضات وتم اسقاط قوائم تهدد قوائم فتح فيها كقائمة النائب حسن خريشة المستقلة ورغم أن لجنة الانتخابات في غزة والتي تتابع كل الخطوات في غزة هي لجنة عينت من قبل سلطة محمود عباس ورئيسها حنا ناصر رجل مسيحي وطني قبلت به وبلجانه جميع الأطراف عبر ميثاق شرف وقعته كل الفصائل بما فيها فتح.

لكن من الواضح أن فتح في ظل التفكك الذي يضرب فيها عرضا وطولا من عصابة دحلان التي تسعى بعض الأطراف العربية فرضها وإعادتها لقيادة فتح بالرغم من رفض عباس وجماعته ذلك إلى التيارات التي تختلف داخلها حتى الاقتتال المسلح كما حدث في مخيمات الضفة وأخيراً في نابلس وكلها محاولات من عباس وجماعته قطع الطريق على أي فتحاوي يحمل وجهة نظر تختلف عن وجهة نظرهم بغض النظر عن كونها وجهة نظر مقاومة أو مساومة فالأمر كله مبني على قاعدة "ما أريكم إلا ما أرى" وأبرز الفشل الذي عاشته فتح في غزة كان الفشل في تشكيل قوائم ترضي الجميع.

ولكن في نفس الوقت تخاطب المواطن الفلسطيني لتشعره بضرورة انتخابها فمن القوائم التي تناحرت العشائر والعائلات مع فتح بسبب استثناءهم وتشكيل القوائم من أبناء عشائر أخرى إلى قوائم تمثل تياراً معيناً في فتح وتغضب تيارات أخرى وفي نفس الوقت شكلت الفضائح الإعلامية التي أحسنت حماس استغلالها عير وسائل التواصل الاجتماعي عبئاً كبيراً على فتح وأضعف موقفها في الشارع بسبب الخطاب المتدني والسوقي الذي استخدمه القيادات المحلية لفتح في الاجتماعات التي سربت تسجيلاتها للاعلام من خطاب "انتخب فتح بالكندرة" والذي أهان مئات آلاف الموظفين إلى خطاب إن لم تنتخب زوجتك فتح فطلقها أضربها أو أربطها في البيت وغيرها كلها أوحت للناخب الفلسطيني أن فتح وعربدتها التي خفتت في القطاع إنما هي اختفت خلف ستار الخوف ولم تتغير حقيقة وأن عقلية فتح لم تتغير والتي كانت وما زالت ترى الشعب الفلسطيني شعب متسول على أبواب كرمها من أموال العالم الذي يغدقه على قياداتهم لحماية مشروعهم الاستسلامي الذي يرى في التنسيق مع الاحتلال ضد المقاومة عمل شريف بل مقدس لذلك اقتنعت فتح في النهاية وانصاعت في نفس الوقت لتوجيهات الاستخبارات الصهيونية والعالمية والعربية بألا تجري الانتخابات وأن تنسحب من استحقاق الوقوف على ميزان الشعب وكما قال أحد القيادات الشابة في فتح تعقيبا على قرار محكمة العدل العليا اللاغي للانتخابات البلدية "الهروب ثلثين المرجلة"

تم ارسال التعليق

  • الفجر2:59
  • الظهر11:44
  • العصر3:23
  • المغرب6:50
  • العشاء8:29
  • دولار أمريكي 0 شيكل
  • دينار أردني 0 شيكل
  • جنيه مصري 0 شيكل
  • يورو 0 شيكل
  • جنيه إسترليني 0 شيكل
القائمة البريدية